محمد جمال الدين القاسمي
27
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قال أبو السعود : وإخراجه سبحانه من حكم الدعاء ، للتنصيص على براءتهم منه تعالى ، وكونهم في عدوة المضادة والمشاقّة ، لا لبيان استبداده تعالى بالقدرة على ما كلّفوه ، فإن ذلك مما يوهم أنهم لو دعوه تعالى لأجابهم إليه . وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 39 ] بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 39 ) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ إضراب وانتقال عن إظهار بطلان ما قالوا في حق القرآن العظيم بالتحدي ، إلى إظهاره ببيان أنه كلام ناشئ عن جهلهم بشأنه الجليل . أي سارعوا إلى التكذيب به ، وفاجؤوه في بديهة السماع ، وقبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره ، وقبل أن يتدبروه ، ويقفوا على تأويله ومعانيه وما في تضاعيفه من الشواهد الدالة على كونه ليس مما يمكن أن يقدر عليه مخلوق ، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم ، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم ، كالناشئ على التقليد من الحشوية ، إذا أحس بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه ، وإن كانت أضوأ من الشمس في ظهور الصحة ، وبيان الاستقامة ، أنكرها في أول وهلة ، واشمأز منها ، قبل أن يحس إدراكها بحاسة سمعه من غير فكر في صحة أو فساد ، لأنه لم يشعر قلبه إلا صحة مذهبه ، وفساد ما عداه من المذاهب . وسر التعبير بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ الإيذان بكمال جهلهم به ، وأن تكذيبهم به إنما هو بسبب عدم علمهم به - كذا في الكشاف وأبي السعود - وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ أي بيان ما يؤول إليه ، مما توعدهم فيه . وهذا المعنى هو الصحيح في الآية . وقد مشى عليه غير واحد . قال في ( تنوير الاقتباس ) : أي عاقبة ما وعدهم في القرآن . وقال الجلال : أي عاقبة ما فيه من الوعيد . وقال القاشانيّ : تأويله : أي ظهور ما أشار إليه في مواعيده ، وأمثاله مما يؤول أمره وعلمه إليه ، فلا يمكنهم التكذيب ، لأنه إذا ظهرت حقائقه لا يمكن لأحد تكذيبه .